السيد علي عاشور

122

موسوعة أهل البيت ( ع )

بين الإمام الصادق عليه السّلام والزنادقة عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن العباس بن عمر والفقيمي أن ابن أبي العوجاء وابن طالوت وابن الأعمى وابن المقفع في نفر من الزنادقة كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام ، وأبو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السّلام فيه إذ ذاك يفتي الناس ، ويفسر لهم القرآن ، ويجيب عن المسائل بالحجج والبينات . فقال القوم لابن أبي العوجاء : هل لك في تغليظ هذا الجالس وسؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به ؟ فقد ترى فتنة الناس به ، ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل به ، وهو علامة زمانه ، فقال لهم ابن أبي العوجاء : نعم ، ثم تقدم ففرق الناس وقال : يا أبا عبد الله إن المجالس أمانات ، ولا بد لكل من كان به سعال أن يسعل ، فتأذن لي في السؤال ؟ فقال أبو عبد الله عليه السّلام : سل ما شئت . فقال ابن أبي العوجاء : إلى كم تدوسون هذا البيدر ، وتلوذون بهذا الحجر ، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر ، وتهرو لون حوله هرولة البعير إذا نفر ؟ من فكر في هذا وقدر علم أنه فعل غير حكيم ولا ذي نظر ، فقل فإنك رأس هذا الأمر وسنامه ، وأبوك أسّه ونظامه . فقال له الصادق عليه السّلام : إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق ولم يستعذبه ، وصار الشيطان وليه وربه ، ويورده موارد الهلكة ولا يصدره ، وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه ، فحثهم على تعظيمه وزيارته ، وجعله قبلة للمصلين له ، فهو شعبة من رضوانه ، وطريق يؤدي إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ، ومجمع العظمة والجلال ، خلقه الله تعالى قبل دحو الأرض بألفي عام ، فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما زجر الله المنشي للأرواح والصور . فقال له ابن أبي العوجاء : ذكرت يا أبا عبد الله فأحلت على غائب . فقال الصادق عليه السّلام : كيف يكون يا ويلك غائبا من هو مع خلقه شاهد ، وإليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ، ويعلم أسرارهم ، لا يخلو منه مكان ، ولا يشغل به مكان ، ولا يكون من مكان أقرب من مكان ، يشهد له بذلك آثاره ، ويدل عليه أفعاله ، والذي بعثه بالآيات بالمحكمة والبراهين الواضحة محمد صلى الله عليه وآله جاءنا بهذه العبادة فإن شككت في شي من أمره فسل عنه أوضحه لك . قال : فأبلس ابن أبي العوجاء ولم يدر ما يقول ، وانصرف من بين يديه ، فقال لأصحابه : سألتكم أن تلتمسوا لي جمرة فألقيتموني على جمرة . فقالوا له : أسكت فوالله لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك ، وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه .